أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
33
نثر الدر في المحاضرات
وقال : لو صلّيتم حتى تكونوا كالحنيّ ما نلتم رحمة اللّه إلّا بصدق الورع . وقال : تفقّهوا قبل أن تسوّدوا . وقال : إن الموت فضح الدنيا ، فما ترك لذي لبّ فرحا . وقال : احذر من فلتات السّباب كلما أورثك النّبز « 1 » وأعلقك اللقب ؛ فإنه إن يعظم بعده شأنك يشتدّ عليه ندمك . وقال رضي اللّه عنه : بع الحيوان أحسن ما يكون في عينيك . وقال : أجود الناس من جاد على من لا يرجو ثوابه ، وأحلمهم من عفا بعد القدرة ، وأبخلهم من بخل بالسلام ، وأعجزهم الذي يعجز في دعائه . وقال : كلّ عمل كرهت من أجله الموت فاتركه ، ثم لا يضرّك متى مت . وقال رضي اللّه عنه : إذا توجه أحدكم في الوجه ثلاث مرات ، فلم ير خيرا فليدعه . وخطب رضي اللّه عنه فقال : أيها الناس ، ما الجزع مما لا بدّ منه ، وما الطّمع فيما لا يرجى ، وما الحيلة فيما سيزول ؟ وإنما الشيء من أصله ، وقد مضت قبلنا أصول ، ونحن فروعها ، فما بقاء الفرع بعد أصله ؟ إنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل المنايا فيهم وهم نصب المصائب ، مع كل جرعة شرق ، وفي كل أكلة غصص . لا ينالون نعمة إلّا بفراق أخرى ، ولا يستقبل معمّر من عمر يوما إلا بهدم آخر من أجله ، وأنتم أعوان الحتوف على أنفسكم ، فأين المهرب مما هو كائن ؟ وإنما يتقلب الهارب في قدرة الطالب ، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الفائدة غدا ! أو أكثر خيبة الخائب ! جعلنا اللّه وإياكم من المتقين . قال الجاحظ : روى الزهري أن عمر - رضي اللّه عنه - نظر إلى أهل الشّورى جلوسا فقال : أكلّكم يطمع في الخلافة بعدي ؟ فوجموا ، فقال لهم
--> ( 1 ) النبز : اللقب ، ولا يكون إلا في الذم .